فصل: فواتح السور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدخل إلى علوم القرآن الكريم



.الفصل الثامن: فواتح السور القرآنية وخواتمها:

.فواتح السور:

اهتم العلماء المتخصصون بعلوم القرآن والباحثون عن أوجه الإعجاز فيه بدراسة فواتح السور القرآنية في إطار دراستهم لكل ما يتعلق بالقرآن، من حيث قطعية ثبوته وأوجه دلالته.
وجاء افتتاح السور القرآنية متعدد الأشكال مختلف الأساليب، واضح الدلالة على معاني دقيقة، بعضها واضح جلي، والبعض الآخر لا سبيل لمعرفته، وحرص العلماء على بيان رأيهم واجتهادهم فيه، ملتمسين أوجه الحكمة في ذلك، باحثين عن دلالات هذه الظاهرة التي تدخل ضمن مظاهر الإعجاز.
وكتب ابن أبي الإصبع كتابا في هذا الموضوع سماه (الخواطر السوانح في أسرار الفواتح)، حققه الدكتور حفني شرف، وطبع بمصر سنة 1960.
قال الزركشي في البرهان:
«وقد افتتح سبحانه وتعالى كتابه العزيز بعشرة أنواع من الكلام، لا يخرج شيء من السور عنها».
الأول: الاستفتاح بالثناء عليه عز وجل، وهو قسمان:
1- إثبات لصفات المدح، كالتحميد (الحمد لله)، وجاء في خمس سور، الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر، و: (تبارك) وجاءت في سورتي الفرقان والملك {تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ}، {تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}.
2- تنزيه الله عن النقص: كالتسبيح، وجاء في سبع آيات، في الإسراء والحديد والحشر والأعلى والجمعة والتغابن، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، سَبَّحَ لِلَّهِ، يُسَبِّحُ لِلَّهِ.
وهذه أربع عشرة سورة، نصفها لإثبات صفات الكمال له، ونصفها لتنزيه الله عن النقص.
الثاني: الاستفتاح بحروف التهجي:
وجاء في تسع وعشرين سورة، الم، المص، المر، كهيعص، طه... طس، طسم، حم، حم عسق، ق، ن، قال الزمخشري في الكشاف:
(وإذا تأملت الحروف التي افتتح الله بها السور وجدتها نصف أسامي حروف المعجم، ثم تجدها مشتملة على أصناف أجناس الحروف، المهموسة والمجهورة والشديدة والمستعلية والمطبقة والمنخفضة وحروف القلقلة) وحاول العلماء إيجاد رابط بين أحرف الافتتاح وموضوع السورة، فسورة (ق) مناسبة لما في حرف القاف من شدة وجهر وقلقلة وانفتاح، وسورة (ص) اشتملت على خصومات متعددة وسورة (ن والقلم) جاءت فواصلها على الوزن من الألفاظ النونية.
الثالث: الاستفتاح بالنداء:
وجاء في عشر سور:
- قال تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ} وجاءت في الأحزاب والطلاق والتحريم.
- وقال: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} وجاءت في سورة المدثر.
- وقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وجاءت في المائدة والحجرات والممتحنة.
- وقال: {يا أَيُّهَا النَّاسُ} وجاءت في النساء والحج.
- وقال: {يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} في سورة المزمل.
الرابع: الاستفتاح بالجمل الخبرية:
وجاء في ثلاث وعشرين سورة:
- قال تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ}، و:{بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ}، {أَتى أَمْرُ اللَّهِ}، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}، {الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ}، {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ}.
الخامس: الاستفتاح بالقسم:
وجاء في خمس عشرة سورة:
- قال تعالى: {وَالصَّافَّاتِ}، و:{وَالذَّارِياتِ}، و:{وَالطُّورِ}، و:{وَالنَّجْمِ}، و:{وَالْمُرْسَلاتِ}، و:{وَالْفَجْرِ}، {وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ}... وهكذا.
السادس: الاستفتاح بالشرط:
وجاء في سبع سور:
- قال تعالى: {إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ}، {إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ}، {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}، {إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ}، {إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}...
السابع: الاستفتاح بالأمر:
وجاء في ست سور:
{قُلْ أُوحِيَ}، {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}، {قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ}، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، {قُلْ أَعُوذُ} في سورتين.
الثامن: الاستفتاح بالاستفهام:
وجاء في ست سور:
- قال تعالى: {هَلْ أَتى}، {عَمَّ يَتَساءَلُونَ}، {هَلْ أَتاكَ}، {أَلَمْ نَشْرَحْ}، {أَلَمْ تَرَ}، {أَرَأَيْتَ}.
التاسع: الاستفتاح بالدعاء:
وجاء في ثلاث سور:
- قال تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}، {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ}، {تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}.
العاشر: الاستفتاح بالتعليل:
وجاء في سورة واحدة:
- قال تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ}.
اختلاف العلماء في حروف التهجي:
اختلف العلماء في الحروف المقطعة في أوائل السور على قولين:
القول الأول: هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به، وروي عن الصديق قوله: في كل كتاب سر، وسره في القرآن أوائل السور، وقال الشعبي: إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل.
قال الرازي: وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا: لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق، لأن الله أمر بتدبره والاستنباط منه، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه.
القول الثاني: المراد منها معلوم، وذكروا ما يزيد عن عشرين وجها، ومن أهم هذه الأوجه ما يلي:
1- كل حرف من هذه الأحرف مأخوذ من اسم من أسماء الله، فالألف من الله، واللام من لطيف.
2- هذه الأحرف تدل على القسم بأن هذا الكتاب لا ريب فيه، كالقسم بالضحى والليل والطور والفجر.
3- كل حرف يدل على معنى:
(الم) تفيد أنا الله أعلم.
(المص) تفيد أنا الله أفصل.
(الر) أنا الله أرى.
4- إنها أسماء للسور، ولتمييز بعضها عن بعض، وقال الرازي: هذا قول أكثر المتكلمين.
5- هذه الأحرف هي سر القرآن، ولا يعلم السر إلا الراسخون في العلم.
6- الغاية من هذه الأحرف صرف العرب عن اللغو إذا سمعوا القرآن، ودفعهم إلى التعجب من أسلوبه والإنصات له، لكي ترق قلوبهم إذا سمعوا القرآن.
7- افتتح الله السور بهذه الأحرف للدلالة لكل حرف منها على معاني كثيرة، ويجوز أن يكون الافتتاح بهذه الأحرف لتحقيق هذه المعاني كلها، كالدلالة على أسماء الله، ولإثارة الانتباه إلى قراءة القرآن، وللإعجاز بها.
8- للدلالة على أن القرآن مؤلف من حروف، وإن هذا الأسلوب يدفع العرب للبحث عن أوجه الحكمة من هذا الافتتاح، وتلمس جوانب الإعجاز.
وهذه بعض الأقوال، وهناك أقوال أخرى، والواضح في هذه الأقوال تلمس وجه الحكمة بكل المعاني والدلالات المحتملة، والأفضل في هذا الموطن أن ينظر فيه في إطار مظاهر الإعجاز البياني الذي تحدى الله به العرب، ولا يمكن معرفة وجه الحكمة، لأن ذلك مما يخرج عن إطار القدرة العقلية، فالقدرة العقلية تحكمها معايير مادية، ولا سبيل إلى معرفة الحكمة في القضايا التوقيفية، لعجز العقل عن إدراك الحقيقة، ولا تدرك الحقيقة إلا بالنقل، والنقل لا يثبت إلا بدليل، وتعدد الرأي في الأمر دليل على عدم وجود دليل نقلي عن النبي صلى الله عليه وسلم يوضح هذه الحكمة، ويفسر هذه الظاهرة القرآنية.
وما أجمل أن تظل مظاهر الإعجاز معجزة على الفهم، يقف المفسرون أمامها عاجزين لا يقدرون على شيء من فهمها، وتظل آراؤهم واجتهاداتهم قاصرة عن إدراك جوانب العظمة في القرآن الكريم، في فواتح السور وخواتمها، في حروف التهجي، في رسم القرآن، في كل متشابه، يؤكد عظمة الإعجاز، وسمو النص القرآني، وما أجمل أن تظل الم، المص، المر، حم، طسم، وطه، وق آيات محكمات معجزات، يدرك العقل عظمة الحرف في أداء معناه، وتدرك الفطرة ما لا يدركه العقل من جوانب الفهم، ويقف أصحاب القلوب اليقظة خاشعين ينصتون إلى صوت القارئ وهو يردد هذه الأحرف الناطقة، فيفهمون بقلوبهم وفطرتهم ما لا يفهمه العقلاء من العلماء الذين حجبهم علمهم عن إدراك كثير من الحقائق، وانصرفت هممهم إلى استنطاق الأحرف الصامتة، والأحرف لا تنطق، لأنها تخاطب القلوب ولا تخاطب العقول، وما أقسى حجاب العقول وهي تصرف الهمم عن الفهم الصحيح إلى استعمال أقيسة ضيقة الأفق، لا تلهم ولا تخاطب ولا تنطق، وما أجمل آيات القرآن وهي تسري كالدماء في شرايين الجسد الإنساني، تحييه وتوقظه وتبعث فيه الدفء والنور والحياة.
ولا نملك في موطن الحديث عن حروف التهجي في القرآن إلا أن نقف خاشعين أمام أسلوب القرآن المعجز.
- ألم تؤد هذه الأحرف أغراضها في الخطاب القرآني؟
- ألم يجد المسلم في هذه الأحرف القرآنية قداسة القرآن وعظمة أسلوبه؟
- ألم يقف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدب وخشوع أمام هذه الأسرار؟ فلم يتطاولوا على القرآن بفهم عقيم، ولم يحاولوا الجدل فيما لا طائل تحته ولا فائدة منه.
فما أجدرنا أن نقف اليوم بخشوع أمام جلال القرآن، فلا نتخطاه ونتلقى الخطاب القرآني كما تلقاه أسلافنا، بفهم عميق وإدراك لأغراضه ومقاصده.

.خواتم السور:

وتميزت خواتم السور كما تميزت فواتح السور بدلالات ومعاني وإشارات محققة أهدافها في مخاطبة البشر، مبينة لهم حكما، ومواعظ، داعية لهم بالهداية والاستقامة، مبشرة ومنذرة.
انظر إلى ذلك الخطاب الرباني الملهم في آخر سورة البقرة:
{رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ}.
ما أجمل هذه الخاتمة، القرآن يعلمنا كيف ندعو الله، كيف نلتجئ إليه، ندعوه بألا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وندعوه بألا يحملنا ما لا طاقة لنا به.
خاتمة رائعة، ما أجمل أن يقف المفسرون أمامها بخشوع وأدب، لا يفسرونها بالقواميس، ولا يشوهون لغتها بالمفردات اللغوية، ولا يعبثون بجمالها، ولا يحيطونها بمعاني جديدة، فهي أوضح من كل تفسير، وأجمل من كل تعبير وأدل على المراد من كل بيان.
وتأتي نهاية سورة آل عمران داعية المؤمنين إلى الصبر والمصابرة والمرابطة، وكأنها توقظ الأمل في نفوس المؤمنين، وتحثهم على مواجهة الشدائد، ثم تقول بعد ذلك لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ولا نهاية للفلاح، فالفلاح هو الأمل وهو النهار بعد ليل طويل...
وتأتي سورة النساء مبينة لأحكام الفرائض، لئلا يقع الظلم، والظلم ضلال، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وهذه هي الرقابة التي تضمن أن تنفذ الأحكام كما أرادها القرآن.
ثم تأتي المائدة وبعدها الأنعام والأعراف والأنفال، وكل سورة تختم بخاتمة ملائمة، ناصحة أو موجهة أو معلمة أو محذرة أو داعية لصبر أو حاثة على الاعتماد على الله والتوكل عليه.
قال السيوطي في خواتم السور:
هي أيضا مثل الفواتح في الحسن، لأنها آخر ما يقرع الأسماع، فلهذا جاءت متضمنة للمعاني البديعة، مع إيذان السامع بانتهاء الكلام، حتى لا يبقى معه للنفوس تشوف إلى ما يذكر بعد، لأنها بين أدعية ووصايا وفرائض وتحميد وتهليل ومواعظ ووعد ووعيد إلى غير ذلك.